الغزالي
12
إحياء علوم الدين
الشرطة ، والعبد الجالب للميرة كذاب مكار ، خداع خبيث ، يتمثل بصورة الناصح ، وتحت نصحه الشر الهائل ، والسم القاتل ، وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته ، حتى أنه لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة . كما أن الوالي في مملكته إذا كان مستغنيا في تدبيراته بوزيره ، ومستشيرا له ، ومعرضا عن إشارة هذا العبد الخبيث ، مستدلا بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه ، أدّبه صاحب شرطته ، وساسة لوزيره ، وجعله مؤتمرا له ، مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره ، حتى يكون العبد مسوسا لا سائسا ، ومأمورا مدبّرا لا أميرا مدبرا ، استقام أمر بلده ، وانتظم العدل بسببه فكذا النفس ، متى استعانت بالعقل ، وأدبت بحمية الغضب ، وسلَّطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى ، تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها ، اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ، ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال الله تعالى فيه * ( أَفَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَه ُ هَواه ُ وأَضَلَّه ُ الله عَلى عِلْمٍ ) * « 1 » وقال تعالى * ( واتَّبَعَ هَواه ُ فَمَثَلُه ُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْه ِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْه ُ يَلْهَثْ ) * « 2 » وقال عز وجل فيمن نهى النفس عن الهوى * ( وأَمَّا من خافَ مَقامَ رَبِّه ِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) * « 3 » وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود ، وتسليط بعضها على بعض ، في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى المثال الثاني : اعلم أن البدن كالمدينة ، والعقل أعنى المدرك من الإنسان كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه ، وأعضاؤه كرعيته ، والنفس الأمّارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ، ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كقيم فيه مرابط . فإن هو جاهد عدوه وهزمه ، وقهره على ما يحب ، حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة ، كما قال تعالى * ( والْمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) * « 4 » وإن ضيع ثغره ، وأهمل رعيته ، ذم أثره ، فانتقم منه الله تعالى [ 1 ] فيقال له يوم القيامة ، يا راعى السوء
--> « 1 » الجاثية : 23 « 2 » الأعراف : 176 « 3 » النازعات : 40 ، 41 « 4 » النساء : 95